
في الهيئة السياسية في محافظة الرقة
أن تكون مصارعاً دون حَلَبةٍ ودون حكمٍ ينظّم قواعد اللعبة ودون جمهور يصفّق، في كل محطّة من محطات الانتصار، فذلك من سوء الطالع، إذ علينا أن نمتلك نصف الجمهور على الأقل، لأنه يثق بأدائنا ومهاراتنا وهو منحاز لعدالة قضيتنا، مسبقا فينتفض فرحا حين يستسلم الخصم دفعة واحدة.
اللعبة هنا ليست فرديّة. و إنّما هي تغيير مبني على قواعد واضحة. فكيف إن كانت المعارك جماعيةً أو بين جمهور وجمهور أو أكثر. وكم سنحتاج من التناغم والانسجام حتى نضبط قواعد الصراع، وكم من التصفيات والأدوار سنحتاج لنتبين فوز أحد الفريقين في الدّور النهائي إنه حال السوريين بعد عقد من الثورة، وعلى أحسن تقدير فقد أتى الربيع العربي بدفقة من التغييرات التي اجتاحت المنطقة وبثورات تعتمد وعياً تقليدياً استخدم وسائلاً غير تقليديةٍ.
لقد حرّر هذا الربيع طاقات الأفراد والجماعات السورية بكل مللها ونحلها، حيث كانت كامنة ومكبوتة بفعل الاستبداد، وكان ذلك بمثابة تشظٍ سريعٍ للقدرات والامكانيات الجماعية، التي تعتبر شرطاً أساسياً في نجاح الثورات وإحداثها التغيير اللازم في المجتمع.
لا بد لنا في هذا المقام من الحديث عن وسائل الاتصال الحديثة، والسوشيال ميديا، والملتميديا، وصفحات التواصل الاجتماعي والمنصات، فقد لعبت دوراً كبيراً في ترويج الكثير من المشاريع، والأفكار، والنشاطات، والتنسيقات اللازمة، لتقدم الفعل الثوري. لكن ذلك الفعل – مقارنة بالنتائج التي حصلنا عليها – ولأنه كان عفويا في بداياته ويفتقر إلى المعرفة التقنية، والبرمجية، التي تحصِّن هذه الأنشطة، وتجعل منها الأداة النافذة في الميدان ومنعها من أن تتحول إلى نقطة ضعف في خاصرة الثورة.
قد يكون من المهم ذلك الانتشار الأفقي لثورة الاتصالات وتقنياتها الرقمية، لكنها وحسب تقديري أنها سلاح ذو حدين، فهي التي تقتل الثورة، وتحييها في آن واحد تبعا للأداء.
تنطوي هذه المعادلة على تحديات لم تكن محسوبة لدى الثوار، أو من يناصر الثورة من الجمهور. فقد مورس كل ذلك بارتجال غير محسوب النتائج اعتمادا على حسن النية وصدق المشاعر وتضليل الحقائق في بعض الأحيان، فظن الثوار أنها القيمة المضافة التي تدفع مسيرتهم وكفاحهم، وهو ما لا ينفع كثيرا في الصراعات العنيفة إن لم يكن دوراً لحرب إعلاميةٍ مدروسة الوسائل ومحسوبة النتائج.
واذا سلمنا واقعيا بأن هذا الضّعف مردُّه إلى النظام الذي كان يحتكر كل وسائل التواصل، والاتصال، لتثبيت حكمه، ولا يسمح إلا بجرعات بسيطة يقدِّر بأنها غير ضارة، فلا تهدد وجوده، وبذلك استطاع على مدى عقود أن يتحكم بقواعد اللعبة السياسية وارتداداتها العنيفة في سوريا واستطاع تصفية خصومه منذ اللحظة التي تسلمت فيها رموزه مقاليد السلطة. ومما يتوجب على إعلام الثورة ابتعاده عن استخدم الصيغة الإعلام للنظام بسويتها السلطوية ومجانبتها للحقيقة الموضوعية، فلا نسخّرإعلام الثورة لذات الأهداف على شكل ردود فعل أو تضليل.
كما أن ما يدعى (الثورة المضادة) وقفت حائلا بين النظام وبين فرق من الثوار المناهضين له، حين تمكنت أيضا من ذات الوسائل والتقنيات في الاتصال واستفادت من توفير قاعدة ومناصرين، فكانت على حساب موارد الثورة، حين تم طرح شعاراتهم وأيدولوجيتهم الخاصة وثبت بالنتائج أنهم قد غلفوها بشعارات الثورة، وروجوا لها بعد حصولهم على التمويلات اللازمة واستقطاب الموارد الاجتماعية لتنفيذ أهدافهم.
كل هذه التحديات ما كانت لتواجه الثورة ومجرياتها لولا ذلك الثقب الأسود التي أطلت منه توريدات الحدود وقوافل المحاربين خدمة لأجندات مشغليهم ، وما رافقها من إعلام يعمل على ترهيب الخصوم أو كسب المؤيدين. ولم تبقى القضية داخلية ومحصورة على شعب انتفض لنيل مطالبه وإنما أصبحت الثورة المضادة تروج لمشاريعها الخاصة وتفرضها على الثورة أحيانا مستغلة الصمت الدولي أو تشجيع النظام لها، وربما دعمها منه سراً أو جهراً. كيف لا وهي التي أطالت في عمر النظام ورمت له طوق النجاة.
لقد مكنت وسائل الاتصال والإعلام بأنواعه، من انفتاح الثورة على حكومات ودول وقد نجحت بداية في كسب الرأي العام، باعتبارها قضية محقة وعادلة. لكن هذا الانفتاح لم يدم طويلا فقد حرف الإعلام مدركات الشعوب المناصرة للثورة السورية وتصوراتها، ولم تعد تضغط على حكوماتها بضرورة تغيير النظام خشية تمدد الإرهاب.
لم يكن العمل الاعلامي مقنناً لضمان خدمته للثورة وأهدافها، ولم تكن نتائجه محسوبة، لنضمن عدم انفلات الثورة من عقالها، فقد سمح هذا الإعلام المنفتح على الفوضوية بترويج المشاريع المستدعية للتدخل الإقليمي والدولي، وصارت سوريا محجاً يستقطب كل الحالمين بالفوضى والراغبين بالتمكين لإدارات التوحش، والغريب أن وسائل الإعلام المرئية والمسموعة وعبر وسائل التواصل لعبت أدواراً شتى ومتناقضة بين الحين والآخر، وتكاثرت البرامج تكاثر الفطر ومؤدى ذلك كله دعم الفوضى الخلاقة، وترويج البطولات والمعارك لكل أطراف الصراع عبر المخدّم الدولي للتقنية الرقمية، مستفيدين من توازنات الرّعب التي فرضتها مجريات الصراع الواقعية، فحملوا الثورة والثوار كل الرزايا، وتبعات الفوضى والإرهاب، بمقابل التغاضي عن إرهاب حكومة النظام الذي كانت تمارسه على شعبٍ أعزل، وفتحها المجال لحلفائها بتغيير نتائج المعركة، فخسر الشعب السوري خسارته المضاعفة في التشريد والقتل الاعتقال القسري والتعذيب حتى الموت.
تلعب الكثير من البرامج والقنوات سياسة ترويجية للثورة، والثورة المضادة، وربما تبييض الصفحات وجعلها ناصعة لأدوار سلبية سلكتها الحكومات المتدخلة في الشأن السوري. وتقديم صورة مغلوطة لما يجري من مآسي في سوريا على أنه حدث يجري بمشيئة السوريين وإرادتهم وسوء التدبير لشؤونهم.
وليس أدل على تلك البرامج التي تبثها القنوات لتصميم السياق التبريري الذي يوازن أحيانا بين الضحية والجلاد فتختلط المشاعر ويحصل المتلقي على نوبات من التناقض المميت والإحباط، فبرنامج الاتجاه المعاكس يشارك في تلك الفداحة الإعلامية عبر المتلقي الضعيف، فينقلك في قضية واحدة من البكاء إلى الضحك أو من الحزن إلى الفرح، ومن التفاؤل إلى التشاؤم، وهو فن يجيده الإعلاميون عبر مشهد جدلي ودرامي سريع يختارون أبطاله بعناية من الديكة الاستعراضيين في المناقرة لا الحوار الهادف.
لعبت وسائل التواصل الاجتماعي ومازالت وسيلةً لتشجيع الهجرة بالرغم من أنها حقّ من الحقوق، إلاّ أن افراغ سوريا من أبنائها عبر نزيف الهجرة والذي لم يتوقف، بسبب انعدام الحلول، وهي حالة طبيعية بعدما صار ذلك الشعب المقهور يعاني طحناً بين فكي الرّحى التي أطرافها إرهاب النظام وإرهاب التنظيمات المسلحة وبما ندعوه (ثورة مضادة) تمت رعايتها وتنمية مناخاتها على حساب الثورة السلمية الأولى، وأهدافها في تغيير النظام المستبد.
حين نفكّك المشهد الإعلامي السوري بعد الثورة على اعتبارها التحول الطارئ والذي يستمر لعشرة أعوام حتى موعد الذكرى الأخيرة، سنجد كمّاً هائلا من المشاريع والتشعبات والمواقف والرؤى والتنظيمات والكتل والتيارات التي عبرت عن نفسها بشكل لا يعدُّ ولا يحصى بدءَ من المحاولات الفردية في السوشيال ميديا وانتهاء بالمؤسسات الإعلامية ومنصاتها المختلفة، ونستطيع القول بعد جردة حساب سريعة أن إعلام النظام سواء ما كان منه حكومياً أو خاصاً تحكمه آليةً شديدة المركزية، وهي الولاء المطلق للسلطة وعدم قدرته على التصدير الإعلامي الحر أو الموضوعي، وهو الاعلام الموجه بامتياز فتصب جميع الروافد فيه لصالح مسألة الدفاع عن النظام وأحقيته في مسألة استمرارية السيطرة على البلاد ومقدراته وأن الشعب السوري هو من قام بتلك الخطيئة، التي طالب فيها بتغيير نظام مستبد نحو نظام ديمقراطي عادل يقوم على مبدأ المواطنة الكاملة. وهو تمسك متصلب لأي ديكتاتورية في العالم عبر أدواتها الإعلامية وغالبا ما تنتهج التضليل في برامجها، دون أي مرونة تذكر بعيدا عن إعلام موضوعي يطوٍّر الوعي الوطني ويساهم في وتيرة التنمية العامة.
أمام هذا التماهي الكامل بين النظام المستبد وأدواته الإعلامية نجد في الجانب الآخر أنواعا شتى من الاستخدامات الفوضوية لشتى برامج السوشيال ميديا وبرامج التواصل فنجد الإعلام الثوري والمعارض والحزبي والفصائلي والإعلام الترويجي والوظيفي بالإضافة إلى أصناف لا حصر لها من التصنيفات والتموضعات الإعلامية التي عقِّدت المشهد فأصبح مركَّب الفاعلية والمآل، وأصبح المتلقي في حالة تشويش دائمة لا يرجى منها أي هدف استراتيجي ينقل الحالة العامة إلى مصاف الرؤى الجامعة ذات التوجه الوطني وإنما نحو المناطقية تارة ونحو الهويات الفرعية تارة أخرى.
لقد نما خطاب الكراهية والتخوين بسبب وجود منابر الفوضى الإعلامية خارج موجباتها القانونية وخارج الوجود لضوابط الدولة الوطنية التي يمكن لها أن تمحِّص هذا الخطاب في ظل القانون وخدمةً للمصلحةِ الوطنية وهو خطاب أصبح يستجيب لنزعات التشظي العام وتفريق الفرقاء السياسيين دون أدنى معايير أو أدلّة تجعل من هذا الفعل رافعة لأي مشروع جامع يمكن أن يضع سوريا على سكة الخلاص من الاستبداد.
لابد من ترشيد الخطاب الاعلامي مع أحقية الحملات الاعلامية التي تناصر الثورة ومبادئها العامة التي تخدم بنتائجها جميع السوريين، وليس خطابا قائماً على التضليل والتزويق الإعلامي إلى درجة طمس الحقيقة أحيانا.


لا يوجد تعليق