
وأحب لو بال الخسيــــــــس من الرفاق على الأخس
وأحب لو جف الفرات ليشرب الفلاح ببسي
بهذه السخرية المرة يتميز الشاعر المبدع فيصل البليبل رحمه الله (1919- 1984) متخطيا الخطوط الحمر التي يضعها الإنسان لنفسه قبل أن تضعها الأجهزة الأمنية التي أرست القواعد لمملكة الرعب البعثية.
عمل الشاعر الراحل في سلك التعليم في دمشق لمدة 27 عاما وأقعده مرض الشلل عن العمل في مدينته الرقة إلى أن وافاه الأجل، له ديوانان مطبوعان: ” قصائد مزقها عبد الناصر” و”وا فيصلاه” وله عدد من المخطوطات الشعرية منها: إني معلم- أصنام من السماء – الدروب إلى حزيران- أهل حزيران – زغاريد البعث – وا ذلاه – رسائل إلى اتحاد الكتاب العرب – هذا جيشكم – وأخيرا شالوم – في يوم الكفاح.
يتميز شعره بالعمق والبساطة والرؤية المستقبلية إضافة إلى السخرية المرة أو الكوميديا السوداء بسبب البون الشاسع بين الأقوال والأفعال للسياسيين والقادة الذين تحكموا بالمشهد السياسي بلغتهم العنترية وهزائمهم وخياناتهم الوطنية، فمن تدبيج شعر الفخار والشعور بالعزة:
نادت الشام فلبينا نداها
أينا لا يشتهي الموت فداها
إلى خيبة الأمل فالتمرد كما جاء في مرثيته لأحد رؤساء فروع حزب البعث:
نسينا القدس والأقصى وسينا
ومرتفعات عزتنا نسينا
ولكن الذي ما ليس ينسى
رفيق في التراب غدا دفينا
فوا عجبا أمين الفرع يقضي
ويسكن حفرة كالآخرينا
كأن الحزب لم يمنحه عهدا
ولم يرفعه فوق الأكرمينا
لعمرك ما المصيبة فقد أرض
ولا يوم انكفأنا هاربينا
إذا سلم الرفاق فلا نبالي
…في المعارك أم …
والنقاط هنا تترك لخيال القارئ لأنها كلمات خادشة للحياء ولم تتعود عليها إذن القارئ قبل أن يمررها فيما بعد مظفر النواب في أشعاره.
ومن قصائده على هذا المنوال:
أقول لقومي ليس بالخبز وحده
يعيش على ظهر البسيطة إنسانُ
أيرهقكم في السلم خبز فمن ترى
يقوم بعبء الخبز والساح نيران
لقد أشبع الحزب الجماهير وحدة
وحرية فليغلق الباب فرّان
لقد أرهقت الانقلابات العسكرية المجتمع السوري، وضيّع جراها حريته وكرامته فليس أصدق من شاعرنا في التعبير عن هذه الآفة التي عانت منها سورية:
“الانقلاب له فنون
بين الكراسي والسجون
هي ثورة إذ ينجحون
وخيانة إذ يفشلون
اسمان والخازوق واحد
هذا أوانك يا قصائد
لو كان في وطني جرائد”
وحين أرغم الرفاق الناس بالرقص طربا لزيادة خمسين ليرة بالراتب قال قصيدة منها:
يا حزب وزعت الزيادة ظالما
والظلم نهج لست عنه تحيد
لم تقرأ القرآن يوما واحدا
كلا فإن كتابك التلمود
طغت العصابة يا دمشق وأفسدت
في الأرض ليت الانتداب يعود
فهل من مرارة أكثر تجرعا من تمني المرء أن يخلصه الأعداء من ظلم ذوي القربى الأدهى والأمر؟
وفي الوقت الذي تدق المارشات العسكرية من الراديو وتدعو البلاغات للصمود، كان الشاعر يرى أن التطبيع مع الكيان الصهيوني آت وهو يُقترف من تحت الطاولة:
” الكل يجحد إسرائيلَ مقولُه
لكنّ أفعاله أفعال معترفِ
يا قوم إني أرى مالا ترون فيا
لله من عارضٍ بالنار ملتحفِ
أكاد أبصر إسرائيل زاحفةً
إلى الفرات ألا يا سد فانجرفِ”
أما قصيدته الأشهر والتي نسبوها لنزار قباني الذي صمت على مبدأ صيت غنى ولا صيت فقر ولم يقل أن هذه القصيدة ليست لي وهي معارضته لقصيدة غنتها المطربة فيروز
الآن الآن وليس غدا أجراس العودة فلتقرع
أما البليبل فيقول:
غنت فيروز مغردة = وقلوب الناس لها تسمع
الآن الآن وليس غدا = أجراس العودة فلتقرع
من اين العودة يا هذي؟ = العودة يلزمها مدفع
والمدفع تلزمه كف = والكف يكون له أصبع
والأصبع منهمك يلهو= قد شبع الجوع ولم يشبع
لا يا فيروز ومعذرة = أجراس العودة لن تقرع
وقد زيد على هذه القصيدة الكثير من الإضافات والتبديلات والتحويرات التي لم يقلها الشاعر.
“وقد عبر فيصل بليبل عن حقيقة نفسه، وغاية مطلبه، بأبيات هي انعكاس لنبل المشاعر، وطهارة الروح، وغيرية النفس:
يا قوم لاتصغوا إلى آهات آلامي ويأسي
إني أحبّ الخير يملأ كل كأسٍ قبل كأسي
إني أحب الأرض ترفلُ بالحرير وبالدمقسِ
إنّي أحبّ الناس كل الناس أفديهم بنفسي.”
لقد كان الشاعر البليبل ساخطا متمردا ومعارضا عبر عن ذلك بكثير من القصائد الساخرة المتمردة ونأمل أن تطبع دواوينه المخطوطة ليعرفه القاصي والداني بدلا من بقائه في زاوية في الظل.
*المقاطع التي وردت بين هلالين زودنا بها مشكورا المحامي الشاعر الأستاذ بسام البليبل أبن أخ الشاعر فيصل البليبل


لا يوجد تعليق