لماذا الرقة؟


قد يبدو السؤال غريبا لكن التمعن فيه والنظر إلى الصراع الذي جرى على المدينة في الحاضر وسيجري في المستقبل يزيل صفة الغرابة عن السؤال، كان المحللون والمؤرخون يكتبون عن الصراع على سورية حيث لم يكتف المتآمرون بتقسيم بلاد الشام حتى أصبحت سورية مطمعا لخناجرهم التقسيمية، لكن التماسك المجتمعي آنذاك عطل رغباتهم الشيطانية، لذلك أصبح التماسك المجتمعي هدفا مطلوبٌ تدميره من اجل تفكيك سورية،  فكانت الانقلابات التي توّجها انقلاب البعث 8 آذار 1963 ومن ثم حافظ الأسد وحركته (التصحيحية) المسمار الأخير في نعش الشعور الوطني

في الكلمة التوجيهية من حافظ الأسد إلى محمد سلمان حين كلفه بتسلم منصب محافظ الرقة تسرب قوله: أنت ذاهب إلى محافظة معادية. هكذا يفكر حاكم سورية في تقييم الناس بين من هم موالون ومن هم معادون ثم يتبجحون بالوطنية

في غياب التماسك المجتمعي الذي دمره استبداد العائلة الأسدية أصبحت سورية مقسمّة إلى مناطق نفوذ ولم يعد الصراع على سورية بل على المحافظات والمناطق، وبتنا نقول الصراع على الرقة وإدلب ودرعا ودير الزور.. الخ وظهرت إلى العلن النزعات القبلية والطائفية والقومية ثم أصبحت نهجا سياسيا تذكيها الأحزاب القومية في السلطة وخارجها في المستوى السياسي الذي يريد أن ينقله إلى المستوى الشعبي، أساس البلاء في هذا التناحر هم النخب المثقفة وليس الجمهور المتعايش الذي يلتقي في الصلاة في المساجد ويحتسي الشاي في المقاهي يتبايعون ويتشارون لبعضهم ويتزاوجون ويتصاهرون.

تنبه النظام إلى أهمية الرقة لموقعها الجغرافي وكونها خزانا للمياه والنفط والمحاصيل الزراعية واحتياطا بشريا للتجنيد الإجباري، فأحاطها بقوات عسكرية جرارة كاللواء ٩٣ في عين عيسى والفرقة ١٧ بخاصرة مدينة الرقة الشمالية وسمح لإيران بتشييد الصروح الشيعية وعانت المحافظة من تغوّل الأجهزة الأمنية

هبت المدينة التي كانت مهمشة ومذعنة ولا خطر منها في نظر النظام وأجهزته وانتظمت في الثورة السلمية وخرج الآلاف في تشييع الشهداء الذين سقطوا جراء القمع والتنكيل ثم خرجت المحافظة نهائيا من سيطرة النظام بعد تحول الثورة إلى السلاح وبدأ الصراع على المدينة يأخذ منحى آخر بين القوى المسيطرة حتى انفرد ما يعرف بتنظيم الدولة على المحافظة وجعل منها عاصمة للخلافة المزعومة.

عندما توسع التنظيم وبات يهدد مصالح الدول المتنفذة بدأت المعركة ضده واستعان الأمريكيون بتنظيم آخر وهو حزب العمال الكردستاني وأخرجت داعش على أنقاض المدينة وخليت المدينة من سكانها

دخلت المحافظة في فصل جديد سنتحدث عنه في رأي الأسبوع المقبل فانتظرونا

الرقة في 09.يوليو. 2020

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *