هل نعيد إنتاج المليشيا بربطة عنق؟ قسد على طاولة الدولة.
قحطان العساف
بينما تتصدر أخبار الحوار المرتقب بين الحكومة السورية وما تُعرف بـ الإدارة الذاتية عناوين الصحف.
تبرز جملة من المطالب التي تقدمت بها قسد والتي لا يمكن وصفها إلا بأنها ابتزاز سياسي مغطّى بعبارات براقة عن الشراكة واللامركزية.
الحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها هي أن قسد ما زالت تمثل في جوهرها تشكيلًا مسلحًا خارج إطار الدولة، يشبه بل يطابق في طبيعته ما تقوم به مليشيات الهجري في الجنوب السوري، من فرض سلطة الأمر الواقع بقوة السلاح تحت مسميات محلية.
الحديث عن دمج قسد ضمن الجيش السوري أو إدارة مشتركة للمعابر هو في الحقيقة محاولة لإضفاء شرعية على كيان مسلح قام خلال سنوات بإنشاء منظومات موازية.
احتجاز المواطنين، وارتكاب الانتهاكات موثقة بحق أبناء المحافظات الشرقية من العرب والتركمان وحتى الأكراد المعارضين له.
فكيف يمكن لدولة تسعى إلى بسط سيادتها أن تتفاوض مع كيان يحمل السلاح خارج الشرعية، ويطالب بتعديل الدستور، وتغيير اسم الجمهورية، وتكريس سلطة مناطقية ذات نزعة انفصالية مقنّعة؟
قسد لا تختلف في بنيتها وسلوكها عن مليشيا الهجري في السويداء، فكلاهما بنى نفوذه على الفراغ الأمني، وتحالف مع أطراف خارجية، وفرض سلطته على المدنيين بالقوة لا بالتفويض الشعبي.
وإن كانت دمشق ترفض عن حق أن تستجيب لضغوط الهجري أو تتعامل معه كطرف سياسي، فإن من باب أولى أن يكون الموقف ذاته من قسد، خاصة أن سلاحها ليس موجهًا ضد الاحتلال، بل بات أداة لفرض الوصاية على أهل الأرض الحقيقيين.
إن الحديث عن شراكة لا يُبنى بالسلاح، ولا بالوقوف على جثث الخصوم، بل بالإيمان بالدولة والمؤسسات والعدالة، وهذه مفاهيم لا يمكن لقسد أن تدّعيها، وهي التي ما زالت تحتجز آلاف السوريين في سجونها دون محاكمات، وتدير مناطق شاسعة بثقافة الحزب الواحد والصوت الواحد.
من المؤسف أن بعض الأطراف الدولية تسعى لتجميل هذا الواقع عبر طاولات حوار في باريس وغيرها، بينما الحقيقة على الأرض تقول إن قسد ليست أكثر من مليشيا مسلحة، لا تختلف عن الهجري إلا بالزي والعلم، أما الفعل فواحد.
عملت على تكريس الانفصال، إضعاف الدولة، وتغذية النزاعات الداخلية.
فإذا كانت هناك نية صادقة في بناء سوريا موحدة، فلا مكان لكيانات مسلحة خارجة عن سلطة الدولة، مهما تعددت تسمياتها، ولا يجوز تبييض صفحاتها أو مكافأتها بمواقع حكومية على حساب وحدة التراب والشعب.
صحيحا أن الحوار مطلوب، لكن لا حوار مع السلاح، ولا تفاوض تحت الضغط، ولا اعتراف بمليشيا تضع شروطها على الوطن مقابل وقف ابتزازها.
سوريا اليوم بحاجة إلى دولة، لا إلى فدراليات تتخفّى خلف بنادق مستوردة وخرائط أجنبية.
قحطان العساف
25.7.2025


لا يوجد تعليق