لعبت العشيرة في الزمن المنصرم دورا في ضبط وربط المجتمعات التي تتألف منها كوحدة أصلية ترتبط مع العشائر الأخرى بعرف وتقاليد غير مكتوبة لكنها نافذة؛ ففي غياب الدولة آنذاك كان لابد من ضوابط تتحكم بسلوك الأفراد والجماعات, وشيخ العشيرة لم ينتخب بل هو اصطفاء طبيعي تجتمع فيه عوامل عدة كالقوة الجسدية ومهارات القيادة والثروة
وفي الوقت نفسه تسود العشيرة الأقوى على قريناتها بحكم قوتها وغناها في المال والسلاح, لكن هذا يرتب عليها مسؤولية أخلاقية فتصبح أكثر التزاما بالأعراف وأكثر انضباطا للحفاظ على المكانة وعدم تأليب العشائر الأخرى فتتحد لمواجهتها والتخلص من ظلمها، ذلك شيء أشبه بقوانين التوازن الطبيعي غير المكتوب حيث لعارفة العشيرة دور في التحكيم وإنفاذ القوانين، ويلعب ديوان الشعر من مديح وهجاء وفخر دورا حيث اللغة وآدابها من قصيد وقص وخطابة موضوعات لضبط إيقاع الحياة
والعشيرة هي امتداد للقبيلة العربية في العصور المنصرمة فللنسابين دور ومكانة حتى لو كذبوا في تعداد الأصول والفروع إلى الجد الأول الذي مات من زمن سحيق، لكن العشيرة في البادية وتخومها ليست كحكم الأسر في المناطق الحضرية حيث لا تسود ديمقراطيتها بل هي شكل من أشكال الإقطاع والتمايز الطبقي ولا يخلو من عنف واضطهاد للفلاحين والأجراء
لعبت الدولة دورا في إضعاف العشيرة بعد تشكل الأحزاب والاصطفافات السياسية، وكان يمكن أن تتطور العشيرة لتدخل مضمار السياسة بتحالف بين الزعيم السياسي وشيخ العشيرة الذي يوجه عشيرته للوقوف إلى جانب السياسي أو الحزب والناس على دين ملوكهم
بعد انقلاب 8 آذار 1963 جرى تدمير للعشيرة بحجة أنها من مخلفات الرجعية لصالح هيمنة حزب البعث وما تبع ذلك من تدمير للبنية القيمية والإفلاس الأخلاقي فجرى إخراج العشيرة من منظومة التوازن ليس لصالح الأحزاب السياسية والنقابات والمجتمع المدني بل للتسلط والاستحكام، لكن حين يشعر الحاكم أنه في ورطة ويزنق في خانة عسيرة يعيد العشيرة من جديد بشكل كاريكاتوري ليضيفها إلى همروجات السلطة البائسة
وسار على هذا المنوال بقية الفصائل والقوى النافذة بعد الثورة فمن ديوان العشائر عند داعش إلى مؤتمرات العشائر عند الأبوجيين الماركسيين اللينينيين وسارت الدول التي لها نفوذ في الشأن السوري في ذلك حذو النعل للنعل ومشت فيها وأنفقت بسخاء، لكن لم يعد للعشيرة ذلك الملاط الذي يلحم اللبنة مع أختها ولم تعد تمتلك تلك الروح التي تدافع ضد التهديد الوجودي فهل تستطيع السياسة فعل ذلك؟ أمر نترك إجابته للأيام القادمة
الرقة : ٢٣ / ٩ / ٢٠٢٠
المكتب الإعلامي


لا يوجد تعليق