وأنا كذلك… سأخون وطني!


نقلا عن موقع سوريتنا

الأستاذ القاضي جمعة الدبيس العنزي
المنسق العام للهيئة السياسية في محافظة الرقة
https://www.facebook.com/tamem.alnzy


“من الغباء: أن أدافع عن وطن لا أملك فيه بيتاً! ومن الغباء: أن أضحي بنفسي ليعيش أطفالي من بعدي مشرّدين! ومن العار: أن اترك زوجتي فريسة للكلاب من بعدي! الوطن حيث تتوفر مقومات الحياة… لا مسببات الموت! والانتماء كذبة اخترعها الساسة لنموت من أجلهم… لا أؤمن بالموت من أجل الوطن. الوطن لا يخسر أبداً… نحن الخاسرون…. عندما يبتلي الوطن بالحرب ينادون الفقراء ليدافعوا عنه، وعندما تنتهي الحرب ينادون الأغنياء ليتقاسموا الغنائم”

“انتهى الاقتباس”

الوطن؛ كلمة تؤلم قلوبنا نحن السوريون المعذبون في الأرض، الهائمون على قارعة كل طريق، المشتتون، المسافرون أبداً على أجنحة الأمل بحثاً عن ميناء ورصيف أخير، ولا نجد سوى سفينة تائهة، مثقوبة، تبحر بنا مرة أخرى بحثاً عن أمل جديد، ورصيف غربة جديد، وشتات جديد، وألم مطبق يستحوذ على أحلامنا المدنفة… ذقنا ظلم ذوي القربى وجفوة الأصحاب، وأغلقت بوجوهنا كل الأبواب. يوم أمس؛ ذهبت إلى الحي الدبلوماسي بالمدينة التي أقيم فيها، أو ما يعرف هنا بـ (حي السفارات) لتصديق وثيقة لأحد أطفالي من سفارة بلد ما… شاهدت أعلام الدول ترفرف على أبنية سفاراتها، أناس يصطفون أمام أبواب سفاراتهم، هذا لإصدار جواز سفر، وذاك لتسجيل مولود، وثالث لتصديق وثيقة… وهكذا.
وجوه باسمة، شاب وشابه يتشابكان الإيادي وعيونهما تشع بالمرح… سيبدآن حياة جديدة وقدما لتوثيق عقد قرانهما المقدس.

أنا ومعي بضعة أشخاص آخرون عرفتهم من وجوههم، وانكسارهم، وخذلانهم أنهم من بقايا بلد يقال له “سورية” كنا كالأيتام في العيد، نبحث عمن يبتسم لنا لنحصل على قطعة سكر.
اعتصر قلبي الألم وأنا اشاهد هؤلاء ممن هم على شاكلتي، لا وطن لهم إلا في قلوبهم، تتناهبهم الأهواء والولاءات والدروب…
قرأت بعض الملامح المرهقة… فكان ذلك:
– أنا في الخمسين من عمري، احترق منزلي في بلادي، استشهد ولدي الأكبر عام 2012، لحقت به أمه بعد شهرين كمداً عليه، ولدي الثاني مختف قسرياً منذ عام 2014، ولا أعرف هل هو حي أم انتقل إلى جوار وجه رب كريم!
ولدي الثالث هرب إلى ما وراء البحار وانقطعت أخباره منذ سنتين، قد يكون ألِف الحياة هناك، وعاشها بكل تفاصيلها، ومن هذه التفاصيل أنك لست ملزماً بوشائج عائلية تكبل حريتك وتعيقك… فالعائلة هناك تأتي في مرتبة متأخرة في تسلسل أولويات الحياة.
لم أجد عملاً هنا يناسب قدراتي، بل لم أجد أي عمل… أعيش بلا أمل وهذا هو الجرح الأكثر غوراً في روحي.
– أنا في منتصف العقد الثالث من العمر، أقراني في البلدان المستقرة تخرجوا من الجامعة والتمسوا سبل الحياة…
منذ شهرين فقط نجحت في الثانوية، لأنني تأخرت ست سنوات عن التعليم بسبب رحلة النزوح المريرة وفقدان الهوية، وإجحاف أنظمة الأشقاء ممن لجأت إليهم…
هل ستقبل سفارة هذا البلد تصديق أوراقي، وهل سأجد قبولاً جامعياً هناك… وكيف سأسافر وجواز سفري منتهي ولا أملك ما يكفي من مال لتجديده!
– أرملة في الستين من عمري؛ وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا، صدر بحقي وأولادي قرار ترحيل لمخالفتي أنظمة الإقامة هنا، لم اعتد على مخالفة الأنظمة يوماً… لكنه العوز والفاقة!

هل سأحصل على تأشيرة دخول من هذه السفارة، وإن حصلت كيف سأعيش هناك وأنا لا أعرف احداً، ولا أملك الحد الأدنى لسبل العيش!
إذاً؛ هذه قراءة سطحية جداً وقاصرة لبعض الوجوه… الحقيقة كامنة هناك في داخل كل منهم، ولا شك بأن لكل منهم حكاية… بل حكايات حزينة تدمي القلوب وتدمع المقل.
أن لا يتكلم ولدك لغة، أو لهجة بلده، أن لا يعرف شيء عن تاريخ بلاده سوى ما يشاهده في نشرات الأخبار –إن شاهدها- من موت ودمار!
أن يقلد رفاقه في الحي أو في المدرسة في بلد المهجر؛ في لباسهم، ولغتهم، وعاداتهم، وطعامهم، ويشجع فريق كرة القدم الذي يشجعون، ويردد نكات وأقوال لهم هم ولا تنتمي لتراثه أصلاً.
أن يصدمه أحدهم فجأة فيقول له: أنت سوري، فيستيقظ من حلم قسري عاشه حيناً من الدهر ليكتشف أنه بلا وطن.
السوريون يعانون؛ في كل مكان، لكن الأقل معاناة هم أولئك الذين فروا إلى “بلاد الكفر” التي نزعم أنها سبب بلاءنا وأن الله سخرهم ليجعلوا العالم أجمل، لنعيش نحن بما صنعوه وننعم بالدنيا، وفي الدار الآخرة هم يذهبون إلى الجحيم ونذهب نحن إلى الجنة، فقط لأننا نصف أنفسنا بأننا “مؤمنون” ونصفهم بأنهم “كفار”
ننسى أن الله ينظر إلى قلوبنا، وأن “الدين معاملة” وأن “في كل كبدٍ رطبه أجر” فما بالك بكبد شقيق لك في الدين، والعروبة، والإنسانية!
ألملم شتات افكاري واستجمع ما تبقى من قواي واستجر الذكريات…
لم استطع تمالك نفسي وحبس دموعي… رغماً عني أدمعت عيني ألماً وقهراً وكمداً.

اعترف أنني –وكل السوريين- لم أعش يوماً بـ (وطن) وإنما عشت على رقعة جغرافية لا تمتلك مقومات الدولة التي تسمى وطن (الأرض + الشعب + السلطة) ففي سورية تم اختزال كل ذلك بعبارة واحدة “سورية الأسد” وبات وطننا كذاك الذي خانه العملاق “محمد الماغوط” في كتابة “سأخون وطني” وكذاك الذي ذكرته في مقدمة هذا الكلمات تحت بند “اقتباس”
عرفت الآن لماذا “خان” الماغوط وطنه؛ وأنا كذلك… سأخون وطني!

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *