بدلا من أن تكون الثورة مواجهة فكرية وأخلاقية بين الاستبداد ونقيضه المتطلع إلى التحرر منه، سادت الساحة تناقضات فكرية ثانوية أزاحت في طريقها الفكرة الأصلية التي هي غاية الثورة ومبتغاها، ثم توالت الثنائيات المتناقضة: علماني في مواجهة إسلامي، ديمقراطي أم شمولي، مركزي أم لا مركزي قومي أم وطني، وجرت السبحة في تناقضات شقت الصفوف ووهنت عزيمة الثورة، هذه التناقضات الثانوية تعود في أصولها إلى تربية أكثر من نصف قرن من الاستبداد الذي كان نظامه شاطرا في استفزاز الغرائز على حساب الفكر والتبصر حتى لا يفطن الشارع الشعبي إلى قضاياه الحقيقية من عسف وفقر وجهل، ومن ثم يسود العرش والصولجان على حساب الأوطان والإنسان، فتسفّهت شعارات عظيمة كالحرية والعدالة الاجتماعية والتحرر القومي واندمجت في دهاليز القمع والإرهاب والطائفية والحقد الطبقي والقومي والمذهبي، لقد أصبح صاحب الفكر متهما وأصبح اللص والوصولي الانتهازي قاضيا ومدعيا عاما، تلك حالة رسخها اللانظام فسيطر عدم الانتظام على نفوس الناس حيث فقدوا الأمان النفسي والتطامن الروحي والهوية والقيم المثالية وغاب الضمير والوجدان، إنه تدمير ذاتي يمر بسهولة في النفوس فيحطمها. الثورة الحقيقية تبدأ بقطيعة مع جدران الوهم ومنظومته الفاسدة قولا وعملا وبناء المنظومة العقلانية والروحية وبناء جسور الثقة بالنفس أولا وبالغير ثانيا لعبور الجسر إلى حياة جديدة خالية من الفساد والاستبداد وكل ما يوهن الذات الإنسانية ويقوّض المجتمع الطبيعي. ثنائيات هي ليست التنوع الخصب الذي يثري الحياة وينمّي الحياة العقلية بل تناحرات مدمرة سمّمت الحياة حيث كل طرف يتمترس ضد الآخر فكأنه العدو الغريم ولا يمكن بأي حال أن يكون الولي الحميم.
الرقة في : ٥ / ١١ / ٢٠٢٠


لا يوجد تعليق