منذ عقود خمسة ونحن نعاني ما تنتجه مصانع الرجولة، والبطولة، والفداء، مصانع الأبطال فمن واجباتهم القومية تقديس القائد المُفدّى وجعله رمزاً معبوداً. فلا حياة في هذا الوطن إلا به ومن أجله، أمّا التضحيات التي علينا بذلها فذلك لأن القائد يرى فيها ضرورة الضرورات.
خمسون عاما ونحن نعقّم العقل في مدارسنا من أجل أن يعيش القائد، فنعلّم أطفالنا كيف يؤدّون القسم المقدس الذي يحيلهم في حضرة قائد الوطن إلى قطيع، فلا يفقه بعدها سوى الولاء الأعمى للقائد الأوحد وعليهم أن يعبّروا عن حبهم بالتصفيق وانتهاءً بالتلفيق على من لا يشاركهم المحبة لقائده ويتوجب عليهم أن يهتفوا بحياته من المهد إلى اللحد.
كان طموح #الثورة_السورية أن تنهي هذا الاستعباد وهذا الاستبداد الذي أفسد حياة السوريين طولا وعرضاً، لكنّ الداء المزمن لم يتماثل للشفاء حتى قارب أن يقتل صاحبه، وهو ما حدث ويحدث في سوريا.
لقد تعمقت التربية الأمنية في سلوك الكثير من السوريين وصارت أحوالهم مأسورة لطاعة عمياء، تحت وطأة مصالح العيش والتزامات الحياة، وبمجرد أنهم رفعوا شعار الحرية والكرامة والمناداة به في الميادين، اختار لهم نظامهم وقائده المفدّى ان يحيل الوطن إلى دمار والمواطَنة إلى أسلوب نهب وسلب وقتل وتهجير، ظنّاً منه أنه سيستطيع إعادة القطيع إلى الحظيرة.. لكن هيهات.
عقب كل هذه الفوضى في سورية انتشرت الكثير من البدائل على شكل قوى أمر واقع ورثت عن النظام أسلوبا استبداديا آخر بعد أن تقلصت سيطرته على الأرض، وحولت جزءً مهمّاً من المجتمع إلى ميليشيات ليس من همّ لها سوى السلطة والسطوة والمال والفساد والإفساد.
وآخر طبعة من هؤلاء الورثة في التسلط على الرقة كانت ما تسمي نفسها بالإدارة الذاتية وما هي بإدارة ولاهي بذاتية، فقد نهجت نهج النظام في تحويل المحافظة إلى جملة من الموارد تعاظم الثروة لدى ذراعها الحزبي والعسكري وتمكين سيطرتها إلى أمد بعيد.
أما مصير التربية والتعليم في هذه الإدارة فقد تحولت إلى ميدان جديد لغسل الأدمغة، فسبكت الإدارة مناهجها من خلال قوالب الأيديولوجيا العفنة فمجّدت تلك المليشيات قائدها الإرهابي (أوجلان) في المناهج الجديدة، وها هي تلوي عنق التاريخ والجغرافيا أيضا لتلحق أرض سوريا بثقافة الكوردستاني متجاهلة الأغلبية السكانية التي تتمتع بثقافة أخرى ومَيل آخر يتسم بالوطنية السورية.
هلّلت هيئة التربية والتعليم في خبرها حول تغيير المناهج واستبدال نسخة كانت مقررة من منظّمة #يونسيف بمناهج #الإدارة_الذاتية، التي تجيز المثلية الجنسية وترسم في الجغرافيا حدودا لكوردستانهم المزعومة وتزور الحقائق التاريخية وترويها كما يروق لخيالاتهم وأحلامهم.
وكلما تسنّى لك أيّها المواطن السوري وأنت تعيش في الرقة الاعتراض أو رفع الصوت ضد هذا الإجراء أو ذاك لابد ان تكون التهمة ضدك جاهزة، فأنت متطرف وداعشي وعنصري ولا تناصر التمدن، وعليك أن تكيّف نفسك مع الإجرام والاضطهاد والاستبداد والفساد حتى تكون كما تحبّ الإدارة الذاتية أن تراك.
إنها البدائل المتعددة التي أسهَم النظام بدفعها وهي الأسوأ فقط من اجل أن يقال #كنا_عايشين، وأن حقبة النظام ما قبل 2011 هي الأفضل.
الواقع مرير والمقبل أدهى وأمر، وعلينا الانتظام والاحتكام من جديد إلى السياسة وان نبني الثقة فيما بيننا كسوريين يسعون إلى بناء دولتهم الحديثة في #سوريا وترتيب صفوفنا نحو الهدف الوحيد الذي يجيز للسوريين جميعا بكل تلويناتهم العرقية والمذهبية والطائفية حق المواطنة المتساوية أمام القانون.
#الرقة في هذا الاتجاه لن تحيد عما يقرّره السوريون جميعا.
الرقة في 30/7/2020
المكتب السياسي


لا يوجد تعليق