عقلية الفصيل المسلح ومنطق الدولة


استطاع الأمريكي بأدواته المحلية كردية وعربية دحر داعش من رأس العين شرقا وعين العرب غربا وطوّق تل أبيض دون مقاومة جدية من التنظيم المذكور سوى تخريب الجسور وهدم خزانات المياه وسرقة محتويات البلديات والمستشفيات؛ لقد وضع الفصيل الكردستاني التركي يده على تل أبيض وسلوك وعين عيسى بينما وضعت الفصائل العربية يدها على بعض المناطق الريفية, وبدأت عمليات التعفيش وتشفية سلوك وعين عيسى على قدم وساق ومنع أهلها من العودة  لغاية الإثراء والرغبة في الانتقام مع استعراض مظاهر القوة والغلبة والظهور بمظهر المنتصر, وقد دمرت قرى على بكرة أبيها كالأصيلم والحميرة الجنوبية وغيرهما ولم يتوقف التهجير فبناءً على تقرير من مخبر يجري تهجير العائلة وترحيلها بأمر من سيْ الذكر (حسين كوجر)؛ وبدأ التمايز بين الفصيل الكردستاني الذي ظهرت فيه القيادات غير السورية بوضوح وبين الفصائل العربية؛  فبينما أظهر التنظيم الكردي قدرة على التنظيم والمركزية والعمل حثيثا على بناء مؤسسات مشروعه, تناحرت الفصائل العربية بين ثوار الرقة بقيادة أبو عيسى وجيش الثوار وفصيل قوامه من البدو للمدعو (أبو وائل) وآخر بقيادة محمد كفر زيته, حيث برز بينهم من الشقاق ما صنع الحداد عدا عن غياب المشروع لدى هؤلاء سوى مصادرة البيوت والسيارات والتهمة جاهزة: أنت داعش

وضع التنظيم الكردستاني التركي هياكله من إدارة ذاتية ومحاكم عدلية ولجان مصالحة وسمح للمنظمات الإنسانية بالعمل لردم الهوة التي صنعها الفقر وقلة الموارد وعملت في الإغاثة وترميم البنية التحتية وترك هامشا لمنظمات المجتمع المدني للعمل في محو الأمية وسبل العيش رغم ضآلة المنح التي كانت تحصل عليها

بدت بوضوح الخلافات المتصاعدة بين الفصائل العربية ووحدات الحماية  ypk وكان هذا الأخير ينفرد بالفصائل واحدا تلو الآخر، فهرب كفر زيتة إلى تركيا وانهار الفصيل البدوي وتقلص نفوذ أحرار الرقة رويدا رويدا

شكل الحزب الكردستاني قوات سورية الديمقراطية لاستكمال النقص في القوة البشرية باذلا الرواتب والعطاءات وفرض التجنيد الإجباري، ولكنه كان يخطف الأطفال ذكورا وإناثا لتربيتهم تربية عقائدية رغم رفض الأهالي وشكواهم وتذمرهم لدرجة أن أحد الآباء في عين العرب حرق نفسه احتجاجا، وكان بعض الأهالي العرب فقدوا أبنائهم فتبين أن أنهم يخضعون لتدريب وتثقيف عقائدي لدى الحزب المذكور

كان النهج الشمولي للحزب العقائدي يتضح شيئا فشيئا رغم الحديث عن أخوة الشعوب والأمة الديمقراطية لكنه بدأ بتغيير المناهج ومنع منظمات المجتمع المدني عن تعليم الأطفال دون سن الثامنة عشرة، وكان يتنازع الحزب وكوادره أمران: الوفاء للنهج الماركسي اللينيني من جهة وإرضاء الداعم الأمريكي والغربي من جهة أخرى

استطاع التنظيم التركي أن يحصل على جائزة أخرى وهي مدينة منبج وكانت عينه على الباب لكن تركيا تنبهت لخطورة تمدد التنظيم وعزمت على قطع الطريق عليه وقررت أن معركة الباب ستكون معركتها وقامت بعملية غصن الزيتون

حصار الرقة

حوصرت الرقة رغم التحصينات والأنفاق والتمترس بين المدنيين لعناصر داعش ومنع خروجهم من المدينة تحت طائلة القتل الميداني فمن تبقى أصبح بين نارين نار القصف الجوي من السماء ونار المفخخات والقتل الميداني وخسرت الرقة خيرة أبنائها قتلا وتهجيرا ولحق الرقة من جراء عملية استئصال التنظيم تدمير خرافي للمدينة

بقيت المدينة مغلقة أمام عودة الأهالي لتعفيشها وحمل ما خف حمله وغلى ثمنه من قبل عناصر فصيل قسد غير العربية وحين سمح للأهالي بالدخول إلى حاراتهم فوجئوا من هول التدمير واللصوصية التي لم تسلم منها حتى أسلاك الكهرباء عدا عن تفشي عصابات السرقة والجريمة المنظمة وانعدام القانون

شرع التنظيم في بناء الهياكل المدنية وتسيير الخدمات فكان المجلس المدني والقضاء ولجان الصلح ودوائر الزراعة والتعليم وإصلاح الجسور، لكن البلد كان يعاني من تفشي الألغام المعقدة والخطيرة والمفخخات التي لا يمر يوم إلا يسقط العديد من الضحايا؛ وسيمضي وقت طويل حتى تزال الألغام بمساعدة منظمات دولية وإزالة الردم الهائل وتنظيف المدينة من الجثث

عند استقرار الأمر واستتبابه بدأ التضييق على العمل المدني والتدخل في آلياته واصطناع أحزاب موالية ونقابات مقلدا نظام الحكم في دمشق لكن القاصي والداني يعرف أن السلطة هي لجهاز المخابرات الذي تسيطر عليه الكوادر القنديلية وأن تلك التنظيمات ما هي إلا ديكورات وتزيينات على الصحن

لم ترق هذه الحال لتركية وكانت تجيش قواها العسكرية على الحدود ثم اندلعت الحرب في عملية أسمتها نبع السلام وتنصّل الراعي الأمريكي وسقطت تل أبيض ورأس العين بيد تركيا حتى حدود اوستراد الحسكة حلب وكانت قد سقطت قبلها عفرين لتقطع تركية مشروع روج آفا من الوسط ليصبح أشلاء مبعثرة

 ظل حزب العمال أسير عقلية التنظيم والفصيل والميليشيا ولم يتطور إلى مفهوم الدولة التي كان يتمظهر بها ولكنها فضفاضة عليه،  كان على الكرد السوريين داخل التنظيم التنبه للمشروع التدميري الذي يقوده القنديليون والبحث عن مشتركات مع المكونات السورية الأخرى والتشاركية في صنع القرار بالشكل الذي يحفظ للكرد السوريين حقوقا يقر بها جميع الأطراف، لكن القنديلين باعوا كل المبادئ وأصبحوا حراسا لآبار النفط التي تدر عليهم مبالغ خيالية تاركين الشعب الكردي لمصيره حيث التهجير مرة أخرى وضياع ملكياتهم وشقاء أعمارهم والتضحية بأبنائهم على مذبح الأيديولوجيا التي ظاهرها العقيدة والأوهام القومية وباطنها تكديس الثروات بيد القلة من المتنفذين ومازالت الأيام حبلى بالمفاجئات.

الرقة في 23.07.2020

                                                                                                   المجلس التنفيذي في الهيئة السياسية لمحافظة الرقة

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *