الرقة المدينة الأقوى أم الخاصرة الأضعف!


الأستاذ القاضي جمعة الدبيس العنزي
المنسق العام للهيئة السياسية في محافظة الرقة
https://www.facebook.com/tamem.alnzy

ما حصل في سورية لم يحصل في مكان آخر في العالم المعاصر والقديم ربما؛ وشجون الحديث لا حصر لها هنا وبلا شك سيجد المتأخرون كنزاً من الأفكار والنظريات والخطط والمبادئ حتى في الحالة السورية في شتى المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية وأخيراً -وبكل أسف – الإنسانية؛ أما السوريون فحسبهم اجترار الألم ومعايشة معاناة لم تنته بعد ولا يعرف إلام ستؤول.

ولا يمكن للمرء مهما كان عمق أفكاره وثقافته وسعة اطلاعه أن يشخّص ويحلل الحالة السورية؛ لأن الواقع في تحول دائم ودراماتيكي عصي على الإحاطة.                                                            وما نود التطرق إليه هنا هو الوضع في مدينة الرقة السورية الواقعة في الشمال الشرقي تقريباً على الضفة اليسرى لنهر الفرات وعلى بعد مائة كم من الحدود التركية؛ مدينة الرشيد هذه ضاربة في عمق التاريخ ويكفي أن نقول أنها كانت العاصمة الصيفية للخليفة العباسي الأشهر هارون الرشيد؛ وبعيداً عن الغوص في التاريخ فالرقة هي إحدى المدن السورية التي قامت بوجه نظام دمشق المستبد حيث قامت أول مظاهرة ضد النظام في أول جمعة تاليه لأحداث مدينة درعا, وإن كان البعض يرى أنها انتفضت متأخرة نسبياً مقارنة مع درعا وحمص ومدن أخرى، وكانت النقطة الفاصلة في ذلك هي ارتقاء أول شهيد بالمدينة هو الشاب ( علي مصطفى البابنسي ) بتاريخ 15/03/2102 أي في الذكرى الأولى لانطلاق الثورة السورية حيث خرجت مظاهرات عارمة حينها واستمرت الاحتجاجات حتى دخلت الرقة التاريخ باعتبارها أول مدينة تتحرر من نظام الأسد بتاريخ 04/03/2013 وتم إسقاط تمثال الأسد الأب الذي يسميه الناس هناك (هبل) وثمة من قال هنا بأن مدينة الرقة هي المدينة الأقوى في جسد الثورة ولطالما افتخر أهالي المدينة بذلك.

فرحة لم تكتمل؛ وحلم خديج لم يلامس الواقع، وأمل تلاشى في مهب الريح؛ هو ما آل إليه حالهم في الليالي التالية من ألف ليلة وليلة كل ليلة منها أشد ألماً وأعمق جرحاً.                                                                                                                            

الرقة وكل ما فيها أضحى عرضه للضياع؛ البشر والشجر والحجر؛ التاريخ والجغرافيا؛ آلام ودموع ومآسي وأدت كل الأحلام التي كانت!

بضع سنوات تحت حكم تنظيم داعش الظلامي المرعب الذي قضم الحريات الأساسية التي تتعلق بحق الحياة فضلاً عن الحريات المتقدمة.                                                                                           

أمن مفقود ورغيف خبز مغمس بالدم وظلام حالك يلف المكان والأرواح…

الرقة أصبحت هدفاً أساسياً للغزاة القادمون من الجهات الأربع…                                         

الرقة المنسية المهمشة دوماً أصبحت شهيرة جداً!                                                    

أخطر مدينة على وجه الأرض بتصنيف المخابرات الأمريكية؛ وماذا؟                                                

لاحقاً أمست الرقة مسرح التطهير وموضع الاجتثاث ومحاربة الإرهاب وميدان التدريب حتى، بل وحقل التجارب للطائرات التي تطير بطيار والتي تطير بدونه؛ في الرقة أنت تموت بالسيف وتموت بغيره؛ يتعدد القتلة والضحية واحدة: أبرياء مسالمون وأطفال لا ذنب لهم إلا أنهم من الرقة لكم أن تشاهدوا أرشيف ضحايا الإرهاب؛ وأرشيف ضحايا الحرب عليه كذلك!

كيف لنا أن ننسى صور ضحايا الرقة ولا سيما في المقابر الجماعية التي تكتشف كل حين، وصور الأطفال التي لا يمكن لكل ذي قلب إلا أن يعتصره الأسى وتهز أعماقه مشاهد الموت المروعة لأبرياء بعمر الزهور كانوا ينتظرون العيد وحلمهم أرجوحة وقطعة سكر…                                                                                          

ألف لعنة على من هجّرهم وعلى من قتلهم ومن تسبب بقتلهم ومن مول ومن أيد ولو بقلبه… وعلى الصامتون وهم في موضع الكلام، وألف رحمة ترفرف بأجنحة من نور على أرواح هؤلاء الأبطال الذين ماتوا لنعيش.   
الآن… كل صباح تطالعنا وكالات الأنباء بأخبار الرقة و (عين عيسى) و (تل السمن) و (الجهبل) و (المشيرفة) وبلدات وقرى أخرى كثيرة في أرجاء الوطن الجريح كانت وادعة آمنة، وقد لا تساوي شيئاً في موازين القوى الدولية، بل أن كثيراً منها غير منظورة على خرائط الكرة الأرضية، أصبحت بيضة القبان في ميزان الصراع الدولي على الغنائم السائبة في (سورية الأسد).

 والرقة عموماً ممزقة بين ثلاث “سيطرات” واضحة المعالم؛ (قسد ونظام الأسد والجيش الوطني) وخلف كل (سيطرة) قوى دولية أو إقليمية داعمة، وهناك مناطق حدودية بين الفرقاء بحال متبدل غير مستقر، بحيث يسيطر عليها هذا الطرف في الصباح، وذاك الطرف في المساء، علاوة على بعض المناطق الغير محكومة من أي طرف بسبب وقوعها في الخلاء مما يجعل من حمايتها مكلفة لا تتناسب مع الفائدة المرجوة من ذلك.

أهل الرقة حالهم حال جغرافيتهم، فحيثما يكونوا يكون ولاؤهم، هم يتبعون الأرض، ومن الإنصاف أن نلتمس عذراً لكثير منهم ممن أنهكوا من الموت والترحال والفقر والتوسل والرجاء…

لكننا لا نفعل تجاه ممن اعتادوا على تبديل الأقنعة وإرسال اللحى أو حلقها وفقاً لهوى السيد المنشود، الذين تسلقوا على جماجم الأبرياء، أو قوتهم على أقل تقدير، وكل يغني على ليلاه، فهذا يبحث عن حفنة من الدولارات، وذاك عن جاه ليقال له (الشيخ فلان) وثالث ليتقي شر حملة البندقية من حكام الأمر الواقع، ورابع ليكون أسفيناً لقوى مضادة… وهكذا تتبدل الأقنعة بتبدل الحال.

الوضع مبهم لا شك وعصي على التنبؤ، شخصياً شبه متأكد من أنه سيتم تغيير حملة البندقية في بعض البلدات الشمالية من الرقة –ولا سيما عين عيسى- لكنني لا استطيع الجزم بمن! لأن الأمر لا يتوقف على رغبة حامل البندقية؛ بل على إرادة سيدة! وعليه سيقع الناس هناك في حيرة من أمرهم إلى حين، وما زالت المأساة مستمرة…

                                                                                                    جمعة الدبـــيس العنـــــــــزي

JomaaAlanzi@

                                                                                                                                     

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *